الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الصالحات . واللام في لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ لام الملك . و ( من ) للابتداء ، جعلت جهة تحتهم منشأ لجري الأنهار . وتقدم شبيه هذه الآية في قوله تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في سورة براءة [ 72 ] . و عَدْنٍ تقدم في قوله تعالى : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ في سورة براءة [ 72 ] . و مِنْ تَحْتِهِمُ ، بمنزلة من تحتها لأنّ تحت جناتهم هو تحت لهم . ووجه إيثار إضافة ( تحت ) إلى ضميرهم دون ضمير الجنات زيادة تقرير المعنى الذي أفادته لام الملك ، فاجتمع في هذا الخبر عدة مقررات لمضمونه ، وهي : التأكيد مرتين ، وذكر اسم الإشارة . ولام الملك ، وجر اسم الجهة ب ( من ) ، وإضافة اسم الجهة إلى ضميرهم ، والمقصود من ذلك : التعريض بإغاظة المشركين لتتقرر بشارة المؤمنين أتمّ تقرر . وجملة يُحَلَّوْنَ في موضع الصفة « لجنات عدن » . والتحلية : التزيين ، والحلية : الزينة . وأسند الفعل إلى المجهول ، لأنهم يجدون أنفسهم محلّين بتكوين اللّه تعالى . والأساور : جمع سوار على غير قياس . وقيل : أصله جمع أسورة الذي هو جمع سوار . فصيغة جمع الجمع للإشارة إلى اختلاف أشكال ما يحلون به منها ، فإن الحلية تكون مرصعة بأصناف اليواقيت . و ( من ) في قوله : مِنْ أَساوِرَ مزيدة للتأكيد على رأي الأخفش ، وسيأتي وجهه في سورة الحج . ويجوز أن تكون للابتداء ، وهو متعين عند الذين يمنعون زيادتها في الإثبات . والسوار : حلي من ذهب أو فضة يحيط بموضع من الذراع ، وهو اسم معرب عن الفارسية عند المحققين وهو في الفارسية ( دستواره ) بهاء في آخره كما في « كتاب الراغب » ، وكتب بدون هاء في « تاج العروس » . وأما قوله : مِنْ ذَهَبٍ فإن ( من ) فيه للبيان ، وفي الكلام اكتفاء ، أي من ذهب وفضة كما اكتفي في آية سورة الإنسان بذكر الفضة عن ذكر الذهب بقوله : وَحُلُّوا أَساوِرَ